فخر الدين الرازي

338

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الخامسة : انصداعها بالنبات ، قال تعالى : وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [ الطارق : 12 ] . السادسة : كونها خازنة للماء المنزل من السماء وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [ المؤمنون : 18 ] وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [ الملك : 30 ] السابعة : العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه الإشارة بقوله : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً [ الرعد : 3 ] . الثامنة : ما فيها من المعادن والفلزات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [ الحجر : 19 ] ثم بين بعد ذلك تمام البيان ، فقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] . التاسعة : الخبء الذي تخرجه الأرض من الحب والنوى قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [ الأنعام : 95 ] وقال : يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النمل : 25 ] ثم إن الأرض لها طبع الكرم لأنك تدفع إليها حبة واحدة ، وهي تردها عليك سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] . العاشرة : حياتها بعد موتها ، قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً [ السجدة : 27 ] وقال : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [ يس : 33 ] الحادية عشرة : ما عليها من الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق ، وإليه الإشارة بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ [ لقمان : 10 ] . والثانية عشر : ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه ، وإليه الإشارة بقوله : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ ق : 7 ] فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم ، كما قال : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 54 ] أما مطعوم البشر ، فمنها الطعام ، ومنها الإدام ، ومنها الدواء ، ومنها الفاكهة ، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة . قال تعالى : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [ فصلت : 10 ] وأيضاً فمنها كسوة البشر ، لأن الكسوة إما نباتية ، وهي القطن والكتان ، وإما حيوانية وهي الشعر والصوف والإبريسم والجلود ، وهي من الحيوانات التي بثها اللّه تعالى في الأرض ، فالمطعوم من الأرض ، والملبوس من الأرض . ثم قال : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا يعلمها إلا اللّه تعالى . ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك ، فقال : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [ المرسلات : 25 ، 26 ] . مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [ طه : 55 ] ثم إنه سبحانه وتعالى جمع هذه المنافع العظيمة للسماء والأرض فقال : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الجاثية : 13 ] . الثالثة عشرة : ما فيها من الأحجار المختلفة ، ففي صغارها ما يصلح للزينة فتجعل فصوصها للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية ، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج النار منه مع كثرته ، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته . ثم انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير ، وقلة النفع بهذا الشريف . الرابعة عشرة : ما أودع اللّه تعالى فيها من المعادن الشريفة ، كالذهب والفضة ، ثم تأمل فإن البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من قعر البحر ، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة ، والسبب فيه أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمينة ، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه الحكمة ، فلذلك ضرب اللّه دونهما باباً مسدوداً ، إظهاراً لهذه الحكمة وإبقاء لهذه النعمة ، ولذلك فإن ما لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس ، والزجاج من الرمل ، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب